يخلط ترمب بين امتلاك الولايات المتحدة قوة عسكرية احترافية وفعالة، والكفاءة الاستراتيجية. ومع غياب مواءمته بين الأمرين واعتقاده أن العمليات العسكرية التي خاضها في فنزويلا ونيجيريا والصومال وسوريا وأخيراً في إيران تحقق هدفه الاستراتيجي، يعتقد بعض أن ترمب أصيب بما يسمى “داء النصر”، والمقصود به أن النصر في معركة ما يشجع القادة على خوض مزيد من المعارك، معتقدين أنهم يحققون بذلك هدفاً استراتيجياً عظيماً قبل أن يدركوا بعد فترة أنهم في ورطة. وقع في هذا الفخ نابليون بونابرت ضد روسيا، والألمان واليابانيون ضد الحلفاء، والولايات المتحدة في حربي كوريا وفيتنام، والآن توسعت أهداف ترمب مع إيران إلى الاستسلام غير المشروط مع إرسال مزيد من القوات إلى ساحة المعركة، فما تصور ترمب للنصر؟ وهل أصيب هو أيضاً بداء النصر؟
من إيران إلى كوبا
خلال وقت لا تزال فيه القوات الأميركية منخرطة في مواجهة متصاعدة مع إيران وبدء نشر قوات إضافية وتنفيذ مزيد من العمليات العسكرية في المستقبل القريب، لفتت تصريحات جديدة من دونالد ترمب في شأن احتمال نشوب صراع جديد مع كوبا الانتباه، إذ تشير إلى أن الإدارة تنظر في قضايا جيوسياسية أخرى. فقد ألمح الرئيس الأميركي إلى أن إدارته قد تكون بصدد دراسة صراعات أخرى تتجاوز الصراع الحالي، مشيراً إلى كوبا، واصفاً إياها بأنها دولة غير مستقرة ومتوقعاً حدوث تغيير سياسي فيها قريباً جداً.
وعلى رغم أن تركيز البيت الأبيض لا يزال منصباً على الحرب مع إيران وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، فإنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الحرب ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مما قد يزعزع استقرار الاقتصاد العالمي. وهو ما يشير إلى افتقار الإدارة الأميركية إلى استراتيجية واضحة الأهداف منذ بداية الحرب.
ويبدو أن رغبة ترمب في خوض عدد من المعارك والضربات والحروب العسكرية داخل أماكن مختلفة حول العالم خلال دورته الرئاسية الثانية مدفوعةٌ دائماً بمفهومه الخاص عن النصر، وهو ما يكرره دائماً في لقاءاته الإعلامية حتى عندما يتعلق الأمر بمعاركه مع خصومه حول قضايا الداخل الأميركي، بل إنه تباهى أخيراً بأن الشعب الأميركي بدأ يتشبع بكثرة الانتصارات المتتالية التي يحققها ترمب في الداخل والخارج، ويطالبه بالكف عن إنجاز مزيد منها.
حقيقتان ساطعتان
لكن الحرب في إيران أكدت حقيقتين ساطعتين، الأولى أن الولايات المتحدة تمتلك أكثر الجيوش احترافية وفعالية في العالم، إذ تبين أن القوات المسلحة الأميركية قادرة على تنفيذ المهام الموكلة إليها أياً كان حجمها بكفاءة عالية، بدءاً من العمليات الخاصة لاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، أو قتل المرشد الإيراني علي خامنئي في وضح النهار وبين قادته العسكريين والسياسيين، وصولاً إلى حرب واسعة النطاق مع إيران، أما الحقيقة الثانية فهي أن إدارة ترمب تفتقر إلى الكفاءة الاستراتيجية.
ولأن الاستراتيجية الأميركية من المفترض أن تتمحور حول كيفية مواءمة أدوات القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة وبخاصة القوة العسكرية، مع أهداف السياسة الوطنية والأمن القومي الأميركي، كان من الواضح أن ترمب وفريقه لم يحددا هدفاً شاملاً لهذه الحرب، بل قدما أهدافاً متعددة واختارا من بينها بصورة عشوائية تبعاً للظروف. وهذا يعني أن العمليات العسكرية الأميركية الفعالة والناجحة للغاية في إيران، كانت ولا تزال تنفذ في فراغ استراتيجي.
الأسوأ من ذلك، أن دونالد ترمب يشير الآن إلى هذه المهام العسكرية وكأن دقتها وبراعتها في التنفيذ تشكل استراتيجية بحد ذاتها، مما يوضح أنه مفتون للغاية بتنفيذ هذه المهام لدرجة أنه وسع أهداف هذه الحرب لتشمل التدمير الكامل للنظام الإيراني.
“داء النصر”
غير أن هذا النوع من التفكير ليس مستحدثاً، بل قديم قدم التاريخ نفسه، وله اسم متعارف عليه في الأكاديميات العسكرية وكليات الحرب وهو “داء النصر”، أي إن النصر في معركة ما يشجع القادة على خوض مزيد من المعارك، ثم يعتقدون أن الفوز في تلك المعارك يعني انتصارهم في الحرب الكبرى أو تحقيق هدف استراتيجي عظيم، إلى أن يدركوا بمرور الوقت أنهم بالغوا في طموحاتهم، ويجدوا أنفسهم أمام كارثة عسكرية أو حتى هزيمة ساحقة.
أصابت هذه الحالة عدداً من الأنظمة عبر التاريخ، لكنها في الوقت الحالي تشكل أهمية بالغة للأميركيين وربما دول العالم أجمع، لأن القادة حين يمتلكون قوات عسكرية فائقة الكفاءة والقدرات، كما هي حال الولايات المتحدة الآن، يكونون أكثر عرضة للإصابة بـ”داء النصر”.
دروس التاريخ
ومن أبرز الأمثلة التاريخية على الإصابة بـ”داء النصر”، الإمبراطور الفارسي خشايارشا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، الذي حقق انتصارات عظيمة ضد أثينا وأسبرطة، لكن نهايته التاريخية كانت في معركة سلاميس باليونان. وقبل نحو قرنين، أصاب داء النصر إمبراطور فرنسا نابليون بونابرت فكانت تلك نهايته، إذ تجمدت قواته في ثلوج روسيا بعد أعوام من انتصارات باهرة على دول أوروبية أخرى. واستمر الداء ذاته ليصيب نابليون الثالث في الإمبراطورية الفرنسية الثانية التي توسعت طموحاتها كثيراً، إلى أن انتهت خلال عام 1870 بانتصار ساحق لجيش بروسيا المتفوق وحلفائه من الألمان، مما أدى لسقوط نابليون الثالث وتأسيس الجمهورية الثالثة في فرنسا وتوحيد ألمانيا.
لم يغادر “داء النصر” أوروبا بسهولة، فخلال القرن الـ20 أصاب دول المحور أيضاً، وكانت تلك نهاية ألمانيا النازية واليابان اللتين أقنعتا نفسيهما بأن نجاحاتهما المبكرة في الحرب العالمية الثانية تعني قدرتهما على هزيمة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بسرعة.
لم يتعلم الأميركيون الدرس حتى بعد أعوام قليلة من الحرب العالمية الثانية، ففي ذروة قوتهم العسكرية أصيب الأميركيون بالداء نفسه في الحرب الكورية، حين طاردوا الكوريين الشماليين حتى نهر يالو. وهي حملة انتهت بكارثة حين تدفقت القوات الصينية الشيوعية عبر الحدود وانضمت إلى الصراع. ثم وقعت الولايات المتحدة مرة أخرى ضحية لهذه المتلازمة في فيتنام، حين ضخت واشنطن قواتها ومعداتها في الحرب لأعوام، لكنها عجزت عن تحويل عدد من انتصاراتها الميدانية إلى نصر استراتيجي، ثم انسحبت بصورة مهينة في النهاية.
لكن السياسة الأميركية في حرب الخليج الأولى (حرب تحرير الكويت) خلال عام 1991 كانت استثناءً، فقد تجنب الرئيس جورج أتش بوش (الأب) “داء النصر”، إذ أعلن إنهاء عملية “عاصفة الصحراء” بدلاً من الزحف على بغداد بعد تحقيق هدفه المعلن وهو تحرير الكويت. لكن نجله جورج بوش (الابن)، اختار خوض حربين في آن داخل كل من أفغانستان والعراق. ومرة أخرى، وبعدما تمكنت القوات الأميركية من تحقيق نجاحات عملياتية باهرة، غرقت لأعوام طويلة في مواجهة تمرد لا ينتهي، واليوم عادت أفغانستان إلى قبضة “طالبان” وأصبح العراق تحت تأثير إيراني كبير لم يكن موجوداً من قبل.
هل أصيب ترمب؟
ومع ذلك، يبدو أن ترمب أصيب الآن بـ”داء النصر” بصورة كبيرة، فهو مقتنع تماماً بأن العمليات السابقة في فنزويلا والبحر الكاريبي ونيجيريا والصومال وسوريا، والعمليات العسكرية الحالية في إيران، كلها دليل على أن النصر الكامل على النظام في طهران سيكون سريعاً. لكنه لم يقدم أي تصور لما سيكون عليه هذا النصر، بل توسعت أهدافه لتشمل المطالبة باستسلام قادة إيران من دون قيد أو شرط، وقرر الدفع بمزيد من التجهيزات العسكرية وبدا مستعداً لإرسال حاملة طائرات ثالثة هي “جورج أتش بوش” إلى الشرق الأوسط لتعزيز القدرات العسكرية الأميركية، وإجبار إيران على الخضوع للرغبات الأميركية، وهو ما رفضته طهران حتى الآن.
قد يكون من الطبيعي أن يعجب الرئيس الأميركي بأداء قواته المسلحة، وهو يستمتع الآن مع وزير دفاعه بيت هيغسيث بهذه القوة العسكرية الهائلة وقدراتها المتميزة. فقد سيطرت القوات الأميركية والإسرائيلية سيطرة شبه كاملة على الأجواء فوق إيران والمياه المحيطة بها، وأصبحت قادرة على تدمير أي أهداف تختارها من دون مقاومة تذكر.
وعلى رغم أن الإيرانيين لا يزالوا قادرين على الرد بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على أهداف مختلفة، وتمكنوا من قتل ستة عسكريين أميركيين في هجوم على منشأة في الكويت، إلا أن إيران مُنيت بهزيمة على المستوى العملياتي للحرب، ولا تستطيع قواتها الجوية والبحرية الرد والاشتباك مع القوات الأميركية التي نفذت العمليات العسكرية بدقة بفضل أعوام من التدريب والدراسة والتخطيط إلى جانب الاستخدام الدقيق للمعلومات الاستخباراتية، مما أسهم في القضاء السريع على جزء كبير من قدرة إيران على بسط نفوذها، وعلى قدرتها شبه الكاملة على مقاومة هجمات الحلفاء.
ليست استراتيجية
بيد أن التدمير الفعال والسريع للقوات الإيرانية ومنصات الصواريخ الباليستية والقطع البحرية، وقتل خامنئي وبعض القادة الإيرانيين، لا يعدان استراتيجية، لأنهما لا يحققان غاية وطنية أميركية بهذه القوة العسكرية الساحقة، أيضاً هذه الكفاءة القتالية التي يتفاخر بها ترمب في كل زمان ومكان قائلاً إنها الأفضل في التاريخ، لا تجيب عن السؤال الصعب وهو ما هدف هذه الحرب؟ ومتى ستعرف أميركا أنها انتهت؟
وعندما واجه الرئيس ترمب أسئلة من شبكات تلفزيونية أميركية أخيراً حول هذه الأسئلة، تهرب من الإجابة وانخرط في الحديث عن البراعة والكفاءة القتالية وقيم الحرب بـ12 أو 15 من 10، ثم قال إن الإيرانيين جرى تدميرهم ولن يتمكنوا من إعادة بناء أنفسهم قبل 10 أعوام.
طارق الشامي: إندبندنت عربية