متابعات

الذكاء الاصطناعي يقتحم الصحافة: ثورة تقنية أم أزمة مصداقية؟

اقتحم الذكاء الاصطناعي مجال الإعلام، محملا بفرص واعدة، وتحديات مختلفة، ليحل كوافد جديد في غرف تحرير المؤسسات الإعلامية سواء منها العالمية أو العربية، لي طرح السؤال عما إذا كان سيقوم بدور الصحافي المعزز، أم سيضع المشهد الإعلامي أمام اختبار صامت للأخلاقيات ؟

مهنيون وخبراء يعتبرون أن الذكاء الاصطناعي يوفر عددا من الفرص لتطوير العمل الصحفي من خلال سرعة جمع الأخبار وكتابتها، والتحقق من صحتها، لكنه يفرض، في نفس الوقت، تحديات تتعلق بضرورة الحفاظ على أخلاقيات المهنة، وعلى القيم الإنسانية في عصر التحول الرقمي.

– ذكاء بمزايا عديدة

يرى محمد محلا، رئيس تحرير ومسؤول عن المحتوى الرقمي بإحدى المجموعات الإعلامية، أن استعمال الذكاء الاصطناعي غير حياته المهنية وجعلها أكثر “ذكاء” وأقل “رتابة”، حيث تحول التركيز من “كيفية جمع المادة الصحفية” إلى “كيفية تقديمها “.

ويدرك السيد محلا، الذي يزاول مهنة الصحافة منذ 18 عاما، جيدا ما يعنيه هدر ساعات طوال في تفريغ الحوارات المسجلة، والكتابة اليدوية، لاسيما وأنه عايش عصر ما قبل رقمنة المجال الإعلامي، مبرزا أن الاستعانة بهذه التقنيات الجديدة أحدثت تحولا جذريا في “مطبخ التحرير”، بتفادي هدر الزمن في مهام تقنية روتينية إلى استثمار ذلك الوقت في تجويد المحتوى.

السرعة، واختزال المهام الروتينية، مزايا تجعل من الذكاء الاصطناعي “صحافيا معززا” كما وصفه السيد محلا، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، مؤكدا في الآن ذاته على ضرورة التعامل مع هذا الوافد الجديد كأداة مساعدة، صونا لجوهر وهوية مهنة الصحافة.

هذا الرأي يشاطره أستاذ التعليم العالي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، الخبير في الذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي، مهدي عامري، الذي يؤكد أن الصحافي يحتاج إلى جملة من المهارات الجديدة ليتعامل بفاعلية مع أدوات الذكاء الاصطناعي، وهي مهارات لا تلغي جوهر المهنة، بل تعيده إلى مركزه من خلال صياغة الأسئلة والطلبات صياغة دقيقة.

ويعتبر السيد محلا، أن حصر الذكاء الاصطناعي في خانة “الأداة المساع دة” هو التوصيف الأدق الذي يضمن الحفاظ على هوية المهنة، مبرزا أنه “مثلما انتقلت الصحافة سابقا من القلم إلى الآلة الكاتبة ثم الحاسوب فالهاتف المحمول دون المس بجوهرها، نجد أنفسنا اليوم أمام مفاتيح جديدة تسرع وتيرة الإنتاج وتساعد في معالجة البيانات الضخمة، لكنها تظل دائما بحاجة إلى اللمسة الإنسانية والحس المهني الذي يمتلكه الصحافي المتمرس”.

ويعد “الحس المهني النقدي” الكلمة المفتاح للاستفادة من مزايا الوافد الجديد من سرعة ووفرة في النصوص، دون الوقوع في شراك مخاطره، إذ يحذر السيد عامري من الافتتان ببريق المزايا، عبر استبدال بطء التحرير المهني الذي كان يحرس الحقيقة، باندفاع إنتاجي يستهلك المعنى باسم النجاعة.

– تحديات في الواجهة

تتمثل أولى التحديات المرتبطة باستعمال الذكاء الاصطناعي داخل غرف التحرير، بالأساس، في موثوقية مخرجاته، حيث يعتبر السيد محلا أن الاستسلام الكامل لفكرة أن ما يقدمه الذكاء الاصطناعي “حقيقة مطلقة” لا تقبل الجدل، يعد التحدي الأخلاقي الأول والأشد خطورة، إذ يحمل في طياته مخاطر جسيمة قد تضرب مصداقية العمل الصحفي.

ويضيف أن الذكاء الاصطناعي، رغم نجاعته التقنية، يظل عرضة لما يعرف بـ “الهلوسات الرقمية” أو إعادة إنتاج الانحيازات الموجودة في البيانات التي ت درب عليها، مما قد يؤدي إلى تزييف الواقع.

وحذر من “ثقافة النقرة الواحدة” التي قد تدفع الصحافي إلى التخلي عن واجبه الأصيل في التمحيص والمقارنة، ظنا منه أن الآلة تمتلك اليقين، بينما الحقيقة الصحفية بناء معقد يتطلب فهما للسياقات الإنسانية، والسياسية، والثقافية والخط التحريري، وهو ما لا تدركه الخوارزميات بعد، مبرزا أن التسليم الأعمى بمخرجات التقنية هو بمثابة استقالة أخلاقية من الدور التنويري والرقابي الذي يلعبه الإعلام في المجتمع.

أما السيد العامري فيرى أن التحيز الخوارزمي “قدر لا يمكن دفعه”، باعتباره أثرا متراكبا لبيانات منحازة، ولغات مهيمنة، ومنظومات تصنيف لا تخلو من رؤية مسبقة للعالم، مسجلا أن الحديث عن “حياد” التقنية يحتاج إلى كثير من الاحتراس.

– تضليل باستعمال المحتوى البصري

شهد الويب العربي انتشارا واسعا للمحتويات المضللة والزائفة، مدعومة بنصوص وصور ومقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب انتشار المحتوى الخاضع للتزييف العميق، والمتمثل في الاعتماد على صور وفيديوهات حقيقية، ثم تعديلها وفبركتها، لإخراجها عن سياقها.

ويرى محلا أن هناك “خيط رفيع” وواضح بين التوضيح والتوثيق، فبينما يمكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لإنتاج الرسوم التعبيرية، والرسوم البيانية المتحركة، والمشاهد التوضيحية، فإنه من الضروري التمسك بـ”الصورة الحية” لتوثيق الوقائع الميدانية واللحظات التاريخية، التي لا يجوز “توليدها” رقميا، مبرزا أن الأصالة تكمن في احترام ذكاء المتلقي من خلال الإشارة بوضوح إلى أن هذه الوسائط “توضيحية” وليست “توثيقية”.

كما شدد السيد عامري من جهته، على أن الصحافي مطالب في تعامله مع الذكاء الاصطناعي بالتمكن من مهارة التحقق الرقمي، والتمييز بين الصور الحقيقية والمركبة، مسجلا أن للجمهور حق معرفة متى يكون المحتوى مولدا بالذكاء الاصطناعي.

وبعدما كان تمييز المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي سهلا بصريا في البداية، فإن الوضع اليوم استحال إلى “مأساة حقيقية” على حد قول السيد محلا، ما جعل المتلقي العادي يستهلك اليوم المعلومات الخاطئة والمضللة أكثر من استهلاكه للمعطيات الحقيقية، وذلك بكل تجرد واستسلام، ودون أدنى رغبة أو جهد في البحث عن مدى مطابقتها للواقع.

– نماذج ذكاء اصطناعي موجهة للإعلام

تبرز هنا أهمية تصميم نماذج للذكاء الاصطناعي موجهة خصيصا للإعلام، وترتكز على أصول التحقق الصحفي، لا سيما وأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بات يشمل أيضا الكشف عن المحتوى المولد بهذه التقنية، وهو أمر أشبه بـ”إطفاء النار بالنار”، حسب السيد محلا الذي يقول إن “التكنولوجيا التي تكتشف اليوم قد تخترق غدا، وفي ظل غياب الأدوات التقنية القاطعة، نعود إلى الأصول المنهجية للتحقق الصحفي”.

ويعد التحقق الصحفي الشرط الأساسي في تصميم نماذج ذكاء اصطناعي موجهة خصيصا للإعلام، بالنسبة للسيد عامري، الذي أكد أن هذه النماذج لا يمكن أن تحل محل المعايير المهنية، بل يجب أن تبنى عليها، بأن يتم ملاءمة النماذج مع قواعد التحرير الرصين، ومع أفضل الممارسات في الإسناد، وربطها بمصادر موثوقة وقواعد بيانات معتمدة، ومنع الجزم حين لا تتوافر أدلة كافية.

ويؤكد السيد عامري، في هذا الصدد، على أن إشراك الصحافيين في تطوير هذه النماذج ليس ترفا، بل هو شرط تأسيسي لنجاحها الأخلاقي والمهني، معتبرا أن الصحافيين ينبغي أن يكونوا في قلب دورة التطور من خلال تحديد حالات الاستخدام المشروعة، وتصميم سيناريوهات الاختبار، وتقديم أمثلة من الممارسة اليومية، إلى جانب المشاركة في صياغة معايير التحقق، ومراجعة الانحيازات اللغوية والثقافية، فضلا عن اقتراح سلوك النموذج عند الشك، وعند التضارب، وعند غياب المصدر.

وأمام اختبار الأخلاقيات هذا، يدعو السيد محلا مراكز تكوين الصحافيين من معاهد وكليات إلى إدراج حصص تعليمية خاصة بالذكاء الاصطناعي ضمن برامجها الأكاديمية، من أجل تكوين جيل قادم من الإعلاميين بـ “ثقافة هجينة” تزاوج بين أخلاقيات المهنة التقليدية وبين مهارات التعامل مع الخوارزميات.

أما السيد عامري، فيدعو المؤسسات الإعلامية إلى اعتماد ميثاق داخلي واضح وملزم يحدد مجالات الاستعمال، ويفرض الإفصاح التحريري عن المحتوى الذي ساهم الذكاء الاصطناعي في إنتاجه، صونا لإنسانية المجال الإعلامي.

وفي ظل الزخم المتزايد لاستعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، يظل السؤال مطروحا، هل سينجح الوافد الجديد في القيام بدور “الصحافي المعزز” أم سيضع الإعلاميين أمام اختبار صامت للأخلاقيات؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *