متابعات

تأخر المساطر والنجاعة الإدارية: مواطنون يشتكون من “ذعائر” لا يد لهم فيها

بين ردهات الإدارات العمومية وضغوطات النصوص الجبائية، يجد المرتفق المغربي نفسه ضحية “بلوكاج” مسطري خارج عن إرادته. فبينما تتأخر الإدارة في الوفاء بالتزاماتها، لا تتأخر “الأنظمة المعلوماتية” ومعها المساطر، في احتساب الغرامات، مما يضع المواطن في مواجهة “ازدواجية العقاب”: بطء الخدمة من جهة، والاقتطاع المالي القسري من جهة أخرى.

نارسـا
تعتبر الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA) واجهة يومية لهذا التوتر، خاصة في ملفات تعشير السيارات أو اقتناء المركبات الجديدة. يحكي (م. ر) كيف وجد نفسه مجبرا على دفع ذعائر عن “الفينييت” لأن النظام المعلوماتي لم يحين معطياته إلا بعد فوات الأجل القانوني: “قمت بجميع الإجراءات في وقتها، لكن التأخر في استصدار البطاقة الرمادية جعلني في وضعية ‘خارج القانون’ جبائيا. الموظف يبتسم ويقول لي: (السيسيتيم لي عطانا هاد الذعيرة)، وكأن السيستيم كائن فضائي لا تتحكم فيه الإدارة”.

إن هذا التأخر لا يمس فقط الجيوب، بل يضرب في العمق “الأمن القانوني” للمواطن. فالمشتري الجديد الذي ينتظر “البطاقة الرمادية” لأشهر، يجد نفسه أمام حاجز إداري يمنعه من أداء واجباته الضريبية في وقتها، وعندما يُفتح الباب، يُطالب بدفع ثمن الوقت الذي ضاع في دهاليز الإدارة. هذا الوضع يكرس شعوراً بـ “الحكرة” الإدارية، حيث لا تتحمل الإدارة مسؤولية خطئها التقني، وبدل ذلك تفضل نقله بكل بساطة إلى ذمة المرفق.

أمـلاك الدولة
في قطاع أملاك الدولة، تظهر جلياً أزمة التنسيق بين المصالح المركزية والجهوية. الشهادة التي قدمتها (ف. ل) حول كراء أرض فلاحية تبرز عمق الفجوة؛ فالعقد يبقى حبيس “التأشيرات” لأسابيع طويلة قبل أن يصل إلى مصلحة التسجيل. تقول (ف. ل): “قانونياً، المهلة هي 30 يوماً للتسجيل، لكن العقد لم يخرج من مصالح الأملاك إلا بعد 45 يوما. عند التوجه لإدارة الضرائب، تم التعامل معي كمخالفة للقانون، رغم أنني كنت أنتظر ‘إفراج’ الدولة عن ورقة تخصها هي بالأساس”.

تتسبب هذه البيروقراطية في عرقلة الاستثمار وإحباط المكتريين. فالمواطن في هذه الحالة لا يملك أي سلطة لتسريع وتيرة العمل الإداري داخل “مديرية أملاك الدولة”، ومع ذلك يُحاسب بصرامة “مدونة تحصيل الديون العمومية”. إن غياب الربط الإلكتروني المباشر بين هذه الإدارات يجعل من المواطن “ساعي بريد” يحمل ملفات الدولة بين مكاتبها، وإذا ضاع الوقت في الطريق، فعلى المواطن أن يؤدي “فاتورة الانتظار” من ماله الخاص.

الجماعات الترابية
في المجال الحضري، تشكل “رخصة السكن” (Permis d’habiter) كابوسا للمنعشين والخواص على حد سواء، لارتباطها المباشر بالرسم على الأراضي غير المبنية (TNB). يوضح (س. ج) أن التأخر في خروج لجنة المعاينة الجماعية أدى إلى تصنيفه “متماطلا” عن الأداء: “البناء اكتمل والملف جاهز، لكن تأخر الموظف في الحضور للمعاينة جعلني أدفع ضريبة سنة إضافية عن أرض لم تعد غير مبنية أصلا. الإدارة هي من تأخرت في إثبات الواقع، وأنا من أديت ثمن غيابها”.

هذا النوع من الاختلالات يغذي الرشوة والمحسوبية، حيث يضطر المرتفق للبحث عن “وساطات” لتسريع خروج اللجان خوفا من دخول السنة الجبائية الجديدة. إن القوانين الجبائية المحلية لا تعترف بـ”القوة القاهرة” الناتجة عن تماطل الموظفين، مما يجعل الجماعات الترابية تستفيد ماليا من عجزها الإداري. فكلما تأخرت الإدارة في تقديم الخدمة، زادت مداخيلها من الذعائر، وهي مفارقة غريبة تشجع على الرداءة بدل النجاعة.

المحافظة العقارية
داخل الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، تتكرر المعاناة مع “تحيين الرسوم” و”الشواهد الإدارية”. يروي (أ. ب) كيف خسر إعفاء ضريبيا هاما بسبب تأخر استصدار شهادة الملكية التي تثبت السكن الرئيسي: “كنت في سباق مع الزمن لتقديم الملف لإدارة الضرائب قبل انتهاء الأجل، لكن ‘عطبا تقنيا’ في المحافظة استمر أسبوعا. النتيجة كانت ضياع حق الإعفاء وفرض غرامات تأخير لم تكن في الحسبان. المحافظة لا تمنحك شهادة تعترف فيها بعطلها التقني لتقدمها للضرائب”.

إن عدم اعتراف الإدارات بأخطائها المرفقية تجاه بعضها البعض يضع المرتفق في “جزيرة معزولة”. فإدارة الضرائب تتعامل مع “الوثيقة” فقط ولا تهمها الظروف المحيطة باستصدارها. هذا الانفصام الإداري يجعل من حق المواطن في التظلم مجرد إجراء صوري، حيث يُطالب بالأداء أولا قبل إمكانية الطعن، وهي مسطرة طويلة ومرهقة تثني الكثيرين عن المطالبة بحقوقهم وتجبرهم على الخضوع للأمر الواقع.

التركات
أصعب الحالات هي تلك المتعلقة بضريبة التركات، حيث يجتمع الحزن على الفراق مع ثقل المساطر القضائية والجبائية. (ن. ك) تحكي عن إرث تعطلت تصفيتة بسبب مسطرة “تقديم الحساب” في المحكمة: “لم نتمكن من التصريح بالتركة في أجل 6 أشهر لأن القضاء لم يفصل بعد في الأنصبة. ومع ذلك، لم ترحمنا إدارة الضرائب وفرضت ذعائر ثقيلة. نحن لا نتهرب من الأداء، لكننا لا نملك الوثائق القانونية للتصريح، فكيف نُعاقب على بطء الزمن القضائي؟”.

تظهر هذه الحالة غياب المرونة في “المدونة العامة للضرائب” تجاه الحالات الخاصة التي يكون فيها التأخر خارجاً عن إرادة الورثة. إن إجبار عائلات تعاني من نزاعات قضائية أو تعقيدات مسطرية على دفع غرامات “تأخير وهمي” هو حيف اجتماعي صارخ. فالورثة هنا ليسوا في حالة “تملص ضريبي”، بل في حالة “انتظار قانوني”، ومع ذلك يُعاملون كمرتكبي مخالفات مالية، مما يزيد من حدة التوترات الاجتماعية.

إن أصل المشكلة يكمن في “تجزء المسؤولية”؛ فكل إدارة تشتغل كجزيرة مستقلة، والمواطن هو الجسر الوحيد بينها. قانونيا، تنص المبادئ العامة للقانون الإداري على أن “الخطأ المرفقي” لا يجب أن يضار منه المرتفق، لكن الواقع الجبائي المغربي يغلب منطق “الاستخلاص السريع” على منطق “العدالة الإدارية”.

المواطن المغربي اليوم لا يطالب بامتيازات، بل يطالب بـ “التناظر الإداري”: إذا تأخر المرتفق يُعاقب، وإذا تأخرت الإدارة يجب أن يتحمل الصندوق العام كلفة ذلك التأخر.

لحل هذه المعضلة، أصبح من الضروري تفعيل دور “مؤسسة الوسيط” بشكل أكثر نجاعة، وإقرار نصوص تشريعية واضحة تفرض على الإدارة تسليم “شهادة تعذر” للمرتفق في حال وقوع عطب أو تأخر مسطري، تكون بمثابة “حصانة” ضد أي ذعائر مستقبلية.

إن الانتقال نحو “المغرب الرقمي” يجب أن يعني أساسا ربط قواعد البيانات بين المحافظة، الضرائب، نارسـا، والجماعات… وغيرها من الضرائب، ليتوقف “عداد الغرامات” آليا بمجرد وضع المواطن لطلبه في أي مكتب إداري بالمملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *