حصيلة إنجاز 35% : عنوان لتدبير ضعيف، وحصيلة كارثية تكشف خللاً أعمق من ضعف التنفيذ:
ما يقارب خمس سنوات من الولاية الانتدابية الحالية بجماعة تيوغزة بإقليم سيدي إفني، كشفت عن فجوة كبيرة بين البرمجة المالية التي تجاوزت 370 مليون درهم، ونسبة الإنجاز الفعلي التي لم تتعد 35% إلى حدود ماي 2026.
حصيلة ضعيفة رغم ضخامة الميزانية المعلن عنها :
من أصل 14 مشروعاً مبرمجاً، لم ينجز فعلياً سوى 3 مشاريع صغرى في الشق الاجتماعي: مركز الأشخاص في وضعية إعاقة بغلاف 2.6 مليون درهم، وتهيئة وتوسعة دار الطالب بـ6 ملايين درهم. المشاريع المهيكلة الكبرى ظلت متعثرة.
فمشروع تزويد الدواوير بالماء قيل انها بلغت 65% فقط من الإنجاز، والكهرباء بلغت 50 % همّت دوارين فقط. أما المسالك القروية فلم تنجز سوى 4 طرق من أصل 35 مبرمجة، بينما لم تنطلق أشغال مسلك تيوغزة-أيت عبد الله لحد الآن. تهيئة مركز الجماعة بـ33.18 مليون درهم لم تتجاوز 15% بعد سنتين من التأخر.
الأخطر أن مشاريع بـ176 مليون درهم لا تزال حبيسة البرمجة: المشاريع السياحية بـ98 مليون درهم، مرافق الشباب والرياضة بـ20.3 مليون درهم، ووحدة عصر الأركان بـ37.2 مليون درهم. لا أشغال، لا انطلاقة، لا أثر ميداني.
غياب العدالة المجالية والقطاعية:
المعطيات تظهر أن 90% من الإنجاز المالي تركز في مركز الجماعة، بينما ظلت الدواوير النائية خارج دائرة الاستفادة. أما الجانب الاجتماعي فتقلص لـ”الإيواء والإعاقة” فقط، مع تغييب كامل لقطاعات الشباب والمرأة والصحة والثقافة رغم برمجتها.
خلل في التدبير و الحكامة :
الولاية عرفت ارتهاناً للمساطر المركزية، حيث توقفت 60% من المشاريع على تأشير وزارة الداخلية. كما سجل غياب الشفافية في تدبير الصفقات، وتشتيت الموارد على مشاريع متعددة دون قدرة على إتمامها.
وفق شبكة تقييم الأداء الجماعي، يحصل تدبير الجماعة على 3.7 من 10، أي “ضعيف”. فالتأخر أصبح قاعدة، والاحترام استثناء، والبرمجة بدون تنفيذ خلقت وهماً تنموياً.
قراءة في التشخيص: من ضعف التدبير إلى انهيار آلية التحويل :
هنا يتجاوز التحليل حدود وصف “ضعف التدبير” إلى تشخيص بنيوي أعمق. فحالة تيوغزة تندرج ضمن ما تسميه نظرية “البليتورمية التابعة” بانهيار آلية تحويل الفائض الخارجي إلى تراكم إنتاجي داخلي.
المعطيات المتاحة تبين أن أغلب مشاريع الجماعة ممولة عبر شراكات خارجية:
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مولت توسعة دار الطالب بـ4.5 مليون درهم ومركز ذوي الاحتياجات الخاصة بـ2.94 مليون درهم، والمجلس الإقليمي لسيدي إفني مول تهيئة دار الطالب بـ954 ألف درهم، فضلاً عن مساهمات وزارية وجهوية وإقليمية. اما مساهمة الجماعة المباشرة بقيت محدودة في الوعاء العقاري وتأهيل المركز.
وبناء على هذه المعطيات، يمكن تقدير مؤشر البليتورمية التابعة المحلي PDS للجماعة على النحو التالي:
NA: نسبة الفائض الخارجي من الميزانية المبرمجة، وتقدر بـ0.85 نظراً لطابع التمويل المتقاطع.
SD: مؤشر التبعية البنيوية، ويبلغ 0.74 بسبب التبعية الإدارية للمركز، وتركيز الإنفاق،
وضعف آلية التحويل، وتشتت التدبير.
PDS = NA × SD = 0.85 × 0.74 = 0.63
وهي قيمة تضع تيوغزة في خانة “البليتورمية المتوسطة”، قريبة من المتوسط الوطني، وتؤكد أن المشكلة ليست في نقص الاعتمادات، بل في تعطيل الآلية التي تحول هذه الاعتمادات إلى طرق سالكة وماء في الصنبور وخدمات منتجة.
خلاصة تقييمية ومنهجية :
للخروج من وضع حصيلة 2022-2026 بتيوغزة ، الذي يعرف وفرة في الأرقام و ضعفا في الإنجاز و الاداء الواقعي ، و لتجاوز حالة إعلان النوايا و الانتخابوية :
نؤكد أن توفر الاعتمادات لا يعني تحقيق التنمية. بنسبة إنجاز كارثية، وتأخر مزمن، وغياب للعدالة المجالية والقطاعية، تدخل الولاية تاريخ الجماعة كولاية ضائعة رغم الدعم المالي والإقليمي.
ويرجع هذا الارتهان إلى ثلاثة أسباب متداخلة: أولها توسع سقف البرمجة على الورق دون تأمين الالتزام المالي النهائي من الشركاء، وثانيها قصور الجاهزية التقنية والإدارية في إعداد ملفات مشاريع قابلة للتنفيذ، وثالثها البنية القانونية للمراقبة القبلية المركزية التي تزيد من زمن التعطيل. فالمشكل إذن ليس فقط في برمجة مفرطة بقدر ما هو في إدارة الأولويات وترتيبها وفقاً للموارد المؤكدة.
وللخروج من هذا الوضع يلزم الانتقال من منطق “البرمجة المفتوحة” إلى منطق “الشرطية الإنتاجية”. ويكون ذلك عبر حصر البرنامج في عدد محدود من المشاريع ذات الجاهزية التقنية والتمويل المؤكد، وربط صرف كل شطر مالي بإتمام الشطر السابق منه ميدانياً، ونشر لوائح الصفقات والمساهمين للعموم، وتفعيل الجزاءات التعاقدية ضد المقاولين المتقاعسين. فبهذه الآلية تتحول الشراكات من مصدر للوهم التنموي إلى محرك للتراكم الإنتاجي، وتستعيد الساكنة ثقتها في أن التنمية ليست أرقاماً على الورق، بل خدمات منصفة وأثراً ملموساً على الأرض.
ملحق توضيحي :
نظرية ” دول البليتورمية التابعة” تفسر لماذا تبقى بعض الجماعات ضعيفة في الخدمات رغم توفر الأموال. السبب ليس قلة المال، بل تعطّل تحويله إلى مشاريع ملموسة.
جهازها المفاهيمي يتكون من ثلاثة عناصر:
NA: نسبة الأموال القادمة من جهات خارجية.
SD: درجة التعطيل الداخلي بسبب الإدارة والبطء.
PDS: حاصل ضرب العنصرين، وكلما ارتفع الرقم دلّ على زيادة التبعية والتعطيل.
محمد الوحداني مدير مكتب “مشاهد” الجنوب