آراء

عماد فجاج يكتب: أيها الممثل اتقي ستانيسلافسكي في نفسك

عندما كنت صغيرا كنت مهووسا بمسلسل المحقق كونان لكن مع مرور السنوات لاحظت شيئا غريبا نفس الشخصيات نفس الحكايات نفس الحبكة تتكرر بشكل يكاد يكون آليا كل حلقة تبدأ بجريمة يظهر كونان يحلل ثم يشير بأصبعه الحاسم نحو الجاني وكأن الزمن متوقف في علبة مغلقة ومع ذلك رغم التكرار استمر العرض لأكثر من ألف حلقة لأن جمهوره اعتاد عليه وكأنه منتج مصنع بلا نهاية.

اليوم وأنا محترف لهذا الفن وسط الدراما المغربية أشعر وكأنني أعيش داخل إحدى حلقات كونان لكن بدل الجرائم لدينا نفس الوجوه نفس الأداء في قصص مختلفة وكأن الزمن توقف داخل مصنع الشوكولاتة حيث يتم إنتاج الممثلين بنفس القوالب بنفس المذاق حتى يفقد المنتج قيمته عند المستهلك أي الجمهور.

في كل موسم رمضاني أفتح التلفاز وأرى نفس الممثلين الذين شاهدتهم في السنوات الماضية وفي أدوار متشابهة حد الملل وجه هذا البطل أصبح مألوفا لدرجة أنني أكاد أعرف كيف سينطق جملته التالية تعابيره محفوظة عن ظهر قلب صوته لم يتغير حتى طريقته في المشي لم تتجدد وكأننا أمام ممثلين يشبهون ذلك الجهاز الإلكتروني الذي نعرف جميع أزراره ووظائفه ولا يحتاج إلى بطارية جديدة بل فقط إلى إعادة تشغيل.

لكن هل المشكلة فيهم أم في صناع الدراما الذين يختارونهم مرارا وتكرارا هل نحن فعلا لا نملك مواهب جديدة أم أن صناعة الدراما المغربية لا تريد البحث عنها أحد أصدقائي قال لي ساخرا “هذا المتوفر” لكن هل هذا حقا كل ما لدينا هل المغرب بلد الفن والثقافة فقير لهذه الدرجة في المواهب التمثيلية أم أن هناك من يفضل تدوير نفس الأسماء خوفا من المخاطرة
الممثل في جوهره فنان لكنه اليوم أصبح مثل تلك الدمى الخارقة التي تحكي الحكاية دون أي إحساس دون أي صدق يدخل إلى موقع التصوير يضع قناع الشخصية يكرر المشهد كما هو مكتوب وينتقل إلى العمل التالي لا بحث لا استكشاف لا غوص في أعماق الشخصية كما علمنا ستانيسلافسكي.

أيها الممثل أنت لست آلة لا تكتف بتكرار نفس الأداء لمجرد أن المشاهد تعود عليك تعلم تطور فاجئنا يا أخي اجعلنا نشعر أنك ممثل وليس مجرد وجه يعاد تدويره كل رمضان أليس هذا حقك أيضا أليس هذا ما يجعلك فنانا حقيقيا.

من المسؤول؟ المشاهد أم شركات الإنتاج أم القنوات التلفزيونية أم الممثلون أنفسهم أم أن المنظومة كلها تحتاج إلى إعادة نظر.

هل نحن أمام صناعة درامية تهدف إلى الإبداع أم أمام مصنع للشوكولاتة ينتج نفس القطعة كل عام مغلفة بورق جديد لكنها في جوهرها تظل كما هي.
إذا استمرت هذه الدورة فحتى هؤلاء الممثلون الذين يملأون الشاشات اليوم سيصبحون بعد سنوات مجرد وجوه مستهلكة تنتهي صلاحيتهم كما انتهت صلاحية من سبقهم هل هذا ما يريدونه هل هذا ما نريده.

في المحقق كونان الزمن متوقف لكنه على الأقل يبحث عن الحقيقة يحاول حل اللغز فهل لدينا في درامانا المغربية من يبحث عن الحقيقة أيضا هل لدينا من يريد كسر هذه الدائرة المفرغة ومنح المشاهد تجربة جديدة مليئة بالمفاجآت بالإبداع بالحياة.

السؤال ليس فقط عن التغيير بل عن الرغبة فيه عن الجرأة على فتح المجال لأسماء جديدة لمنح فرصة لمن لم تمنح له وعن الممثل نفسه الذي يجب أن يتقي ستانيسلافسكي في نفسه وإلا فسيصبح مجرد قطعة أخرى من الشوكولاتة تذوب سريعا في فم الجمهور وتنسى.
لكن من يدري ربما ذات يوم سيستيقظ كونان ويدرك أنه عالق في حلقة مفرغة وربما سيقرر أخيرا أن يكسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *