عزيزي القارئ، اربط حزام الأمل، وخذ نفسا عميقا، لأن ما ستقرأه الآن قد يغير نظرتك للمسرح المغربي إلى الأبد… أو إلى حين استيعاب الصدمة.
فقد أشرقت شمس المسرح المغربي من جديد، وغردت الطيور على أسوار الخشبة، ورفرفت الستائر الحمراء في الهواء، بعد إعلان وزارة الشباب والثقافة والاتصال عن تعيين رئيس جديد لقسم المسرح. لكن ليس أي رئيس. لا، لا! إنه عبقري الركح، سيد الخشبة، عاشق النص، ربيب الطيب الصديقي وتلميذ أريان موشكين!
صاحبنا الجديد يقال إنه ألّف نصوصا أدمعت النقاد، وأخرج عروضا أدهشت المهرجانات، ومثل أدوارا جعلت الحضور يصفقون واقفين دون أن يعرفوا لماذا. شهاداته العليا في الفن المسرحي تُشبه الميداليات العسكرية في صدر جنرال منتصر، ومشروعه الطموح لتطوير المسرح المغربي كاد يدرس في معاهد لندن وباريس (لولا بعض العراقيل التقنية… كأن لا أحد يعرفه).
تخيلوا معي: رجل يتقن مدارس الإخراج من ستانيسلافسكي إلى مييرخولد، ينظر للمسرح السياسي كما لو كان الوريث الشرعي لبريشت، يتحدث عن الدراماتورجيا كما يتحدث الناس العاديون عن الطقس. رجل يحمل في قلبه استراتيجية، وفي جيبه خطة خمسية، وفي عينيه بريق إصلاح شامل.
لكن… آه لو تعلمون.
والعكس صحيح…
فالرجل، في الواقع، لم يسبق له أن كتب سطرا مسرحيا واحدا، اللهم إن اعتبرنا تنظيمه لبعض التظاهرات للمهرجان الوطني للمسرح نوعا من الكتابة الدرامية. ولم يخرج إلا جهاز التلفاز من العلبة، ولم يمثل إلا أمام لجنة مباراة التوظيف.
أما عن أريان موشكين؟ فربما شاهد لها مقطعا على يوتيوب وهو يبحث عن “أحسن وصفة لكرواصون فرنسي”. وأما الطيب الصديقي، فمعرفته به لا تتعدى صورة معلقة في ممر المسرح الوطني مر بجانبها ذات يوم دون أن ينتبه لها، ولا يعلم إن كان بريخت ماركة ألمانية للأحذية أو مخرجا غير وجه المسرح الحديث. ستسأله عن مفهوم “الدراماتورجيا”، فسيجيبك أنه يحب الأكل التركي لكنه يفضل الطاجين! ستسأله عن التجريب المسرحي، فسيظن أننا نتحدث عن مختبر كيمياء في الثانوية.
والسؤال الذي يطرح نفسه – بقوة كوميدية تفوق كل النصوص العبثية – هو:
أين هو شعار “التشبيب والكفاءة” الذي يتغنّى به الوزير؟
هل أصبح تعيين غير المتخصصين في المناصب الفنية هو آخر صيحات الحداثة المسرحية؟
هل سنرى قريبا طبيب أسنان يدرس الإخراج، وميكانيكيا يدير معهد الفنون الدرامية؟
أم أن الكفاءة أصبحت مفهوما قابلاً للتأويل… كأن تقول “أنا فنان” فقط لأنك تملك حساب “تيك توك” فيه فيديوهات بـ”فلتر مسرحي”؟
المسرح المغربي يا سادة، يعيش اليوم عرضا عبثيا لا يحتاج إلى مخرج بل إلى منقذ. فهل يعقل أن نمنح مفاتيح هذا الفن العريق لشخص لا علاقة له لا بالكوميديا ولا بالتراجيديا ولا حتى بمسرحية مدرسية؟ أليس في هذا البلد مسرحيون، مبدعون، وأساتذة ناضلوا عقودا من أجل أن يجد المسرح مكانته؟ أم أن الكفاءة اليوم أصبحت تقاس بعدد العلاقات و”الاستحقاق” صار نكتة يضحك منها حتى أرسطو لو كان بيننا؟
بقلم: عماد فجاج