حيث يتنفس الفجر عبيره الأول على كثبان الكزيرة المتلألئة ذهبًا، تُنسج قصةٌ أزليةٌ للطبيعة في أبهى تجلياتها. هناك، تحت قُبة السماء اللازوردية، يرقص البحر بألوانه المتغيرة، مرآةً تعكس أسرار الكون وتدعو الروح إلى رحاب التأمل وأعماق الأحلام. كل ذرة رملٍ تهمس بأساطير عوالم غابرة، وكل صدفةٍ تُنشد ملحمةً خالدة.
الكزيرة، ليست مجرد شاطئ، بل واحةٌ سكنتها السكينة، لوحةٌ خطّتها يدُ الإبداع الإلهي، تُعيد للروح صباباتِها وتُجدد نبضَها.
يتغلغلُ الأثير بعبقِ البحر المُنْعِش، وتُداعب الأذنَ همساتُ الأمواج الرقيقة، لحنٌ أزليٌّ يُطربُ الحواس ويُشعلُ جذوةَ الشوق. هناك، تنتصبُ المنحدرات الصخرية الحمراء، شواهدَ على عظمَةِ الزمن، وقد نحتتها رياحٌ عاتيةٌ وأمواجٌ متلاطمة، كأنها حرّاسٌ أبديّون على خبايا الأرض وأسرارها الدفينة.
تحت الأقواس الصخرية الشاهقة التي نجت بعد انهيار واحد منها في سابق الأيام، ينسابُ الضوءُ الخافتُ ليُحدثَ تراقصًا ساحرًا بين النور والظل، مسرحًا طبيعيًا تُعرضُ عليه آياتُ الجمال. الكزيرة، ليست مجرد مشهدٍ، بل هي سيمفونيةٌ تُعزفُ للعيون، وليمةٌ تُقدمُ للآذان، ونعيمٌ يُسقي الروح.
الكزيرة، تلك المرآة الشفافة التي تعكسُ عمقَ إنسانيتنا، تُذَكِّرُنا بمدى ضآلتنا أمام جلالِ الطبيعة وعظمتها. في حضرةِ مناظرها الخلابة، نُدركُ حجمَ المسافات التي اجتزناها في دروبِ الحياة، وتلكَ التي ما زالت تنتظرُنا. إن صيانةَ الكزيرة وحمايتَها ليست مجردَ واجبٍ، بل هي صيانةٌ لجزءٍ أصيلٍ من ذواتنا، وتوريثٌ لإرثٍ لا يُقدّرُ بثمنٍ للأجيالِ القادمة، ليظلَّ هذا الصرحُ الطبيعيُّ الشامخُ منارةً تُضيءُ دروبَ الأرواحِ التائهة.
غير أن هذا الجمال الساحر، والصيت العالمي الذي اكتسبته الكزيرة، لا يحميها من أيدي الإهمال. ففي زاوياها ودروبها، تلوح علامات التراخي في الحماية، وتتراكم مظاهر اللامبالاة، بدءًا من غياب الصيانة اللازمة للممرات، وصولاً إلى تراكم النفايات في بعض جنباتها، مما يُهدد نقاءها الفطري.
إن هذا التجاهل يُلقي بظلاله على قيمة هذه الجوهرة الطبيعية، ويُضعف من سحرها الذي يجذب الزوار من كل حدب وصوب. الكزيرة، التي تستمد قوتها من عظمتها الطبيعية، تُعاني بصمتٍ من غياب الرؤية بعيدة المدى، ومن تقصيرٍ يُنذر بفقدان جزءٍ من سحرها البِكر، وتشويهٍ لملامحها التي طالما ألهمت الشعراء والفنانين.
إن صون هذا الإرث يتطلب تضافر الجهود ليبقى هذا الشاطئ الأسطوري منارةً للجمال، لا شاهدًا على الإهمال.

عبد الكريم غيلان:
كاتب رأي