مرة أخرى، عممت المديرية الجهوية للصحة بسوس ماسة بلاغا تكذب فيه ماتم تداوله بشأن انتشار صور لبعض مرتفقي مستشفى الحسن الثاني، والتي تظهر مجموعة من المرضى في أوضاع غير إنسانية، وكذلك، في أقل من شهر، أصدرت بلاغا اخر حول نفاد مخزون منتجات التخدير بالمستشفى الجهوي الحسن الثاني، إلا أن الواقع وعدد العمليات والتدخلات الجراحية عرفت نقصا حادا طيلة شهر يوليوز المنصرم بفعل غياب منتوجات التخدير التي تستعمل في العمليات الجراحية.
وبالنظر للانتقادات الحادة لمسؤولي المستشفى، وضعف الخدمات المقدمة داخل هذا المستشفى الجهوي الذي يستقبل مرضى من كافة الجهات الجنوبية للمغرب، فإن بلاغات المديرية تبقى فاقدة للمصداقية في ظل واقع صحي مغاير
من يسير مستشفى الحسن الثاني…واستثمارات في مهب الريح؟
كان المرسوم الوزاري المتعلق بتنفيذ القانون رقم 70.13 المتعلق بالمراكز الاستشفائية الجامعية قد أثار ضجة كبيرة في اوساط الهيأة الطبية والتمريضية بمستشفى الحسن الثاني باكادير، إذ أعاد المرسوم الصادر في 23 يوليوز 2018 تصنيف مستشفى الحسن الثاني من مؤسسة استشفائية إلى مستشفى جامعي.
وتأتي هذه الضجة بسبب تداعيات إعادة تصنيف مستشفى الحسن الثاني، حيث أن التصنيف الجديد سيغير النظام الداخلي للمستشفى في الجانب المتعلق بكيفية تدبيره والأجهزة المسؤولة عليه، بالاضافة الى وضعية العاملين من الاطر الطبية بالمستشفى.
وكان باشر مسؤولي الوزارة اجتماعات ماراطونية مع إدارة المستشفى الحسن الثاني والهيآت النقابية الممثلة للاطباء والممرضين والمستخدمين حول موضوع تنزيل مضامين هذا المرسوم ، حيث تتخوف هذه الهيآت من تغيير وضعياتها الإدارية والتحفيزات المتغيرة بين الاشتغال في مؤسسة استشفائية ومستشفى جامعي.
وذكر مصدر مطلع، أن إعادة تصنيف مستشفى الحسن الثاني يوازيه تغيير في الوزارات الوصية عليه، وكذا الإدارة الأحادية المتمثلة في شخص المدير التي ستتحول إلى إدارة جماعية متمثلة في خلق مجلس إداري، بالإضافة إلى تغييرات في وضعية كافة الاطر الطبية. مما أدى بالنقابات الممثلة للأطر الطبية الى استنكار تغيير وضعية المستشفى دون مراعاة وضعية العاملين بها.
وقد اعتبرت مصادرعليمة، أن تحول مستشفى الحسن الثاني إلى مستشفى جامعي هو مرحلة انتقالية تقضيه إشكالية تعثر بناء المستشفى الجامعي باكادير، مشيرة إلى أن وضعية العاملين بالمستشفى لن تتغير وأن بداية العمل بتطبيق المرسوم سيتمثل عبر التحاق اساتذة الطب وكذا توفير الاليات الطبية والمختبرات الضرورية لاستقطاب طلبة كلية الطب بأكادير.
وبعد مايقارب 3 سنوات ظل إدارة مستشفى الحسن الثاني بدون مدير قار، حيث تم تعيين مديرين بالنيابة خلال هذه الفترة، وفي ماي 2021 تم تعيين جامع لعضم مديرا للمستشفى، قادما اليها من
تارودانت. ويذكر أن مجموعة من البرلمانيين بسوس، انذاك، كانوا قد طالبوا وزارة الصحة بالتدخل من أجل وضع حد للوضع الذي يعيشه المستشفى جراء إعفاء المدير هذه المسؤسسة دون تعين خليفة له من أجل تدبير شؤون المؤسسة الصحية، خاصة في مرحلة تفشي فيروس كورونا المستجد.
وأثرت عدة قرارات مدير المستشفى والمدير الجهوي للصحة بشكل سلبي على مردودية وظروف اشتغال موظفي المركز الاستشفائي، وأضعفت قدرته على تقديم خدمات صحية لائقة وذات جودة، إذ أن إدارة المستشفى لم تعمل على استثمار أمثل للتجهيزات والبناءات التي تلقت المستشفى من المؤسسات المنتخبة والمحسنين، في فترة كورونا، من أجل تطوير عمل وتجويد الخدمات المقدمة للمرتفقين.
ومن الأمثلة على ذلك ما أقدمت عليه إدارة المستشفى والمديرية الجهوية للصحة بسوس، من خلال اغلاق قسم المستعجلات الرئيسي، واقتطاع جزء من إدارة الاستقبال، وتحويله الى قسم المستعجلات، حيث يعيش قسم المستعجلات”المؤقت” أوضاعا استثنائية، نتيجة الإهمال الذي يعاني منه جل المرضى الذين يلجونه اليه، نتيجة انتشار التصرفات غير المهنية داخل القسم والتراخي في أداء العمل أو الغياب غير المبرر للاطر الطبية.
وبالمقابل، يفتقد قسم المستعجلات “المؤقت” لأبسط وسائل العمل لممارسة علاجات طبية وتمريضية تليق بكرامة المواطن، اضافة الى التأخير في إنجاز بعض الفحوصات البيولوجية او فحوصات الاشعة.
بعد 4 سنوات من بداية اشغال تهيئة قسم المستعجلات بمستشفى الحسن الثاني باكادير لم يتم افتتاح هذا القسم لاسباب مجهولة، حيث توقفت أشغال تهيئته منذ سنتين مما ساهم في توقف أهم الأقسام بالمستشفى.
وكانت جهة سوس ماسة قد أطلقت صفقة عدد 3/2020 لتأهيل قسم المستعجلات من طرف وكالة تنفيذ المشاريع، في اطار مشروع تأهيل المستشفيات بالجهة، بغلاف مالي يفوق 6.1 مليون درهم. وقد تم تحديد مدة إنجاز عملية التأهيل في 7 اشهر. إلا أنه لأسباب مجهولة لم يتم إعادة افتتاح قسم المسعجلات رغم مرور أزيد من 4 سنوات من إطلاق الصفقة، ليتم إقبار قسم المستعجلات الذي يستقبل مرضى من كل أقاليم جهة سوس ماسة وباقي الأقاليم الجنوبية.
وقد ساهم تأخر إنجاز مشروع تأهيل قسم المستعجلات بالمستشفى، لأسباب مجهولة، إلى تردي أوضاع المرتفقين والمرضى وصعوبة أداء الأطقم الطبية لمهامهم الاستشفائية في ظروف مقبولة.كما يؤثر “تخاذل” الموظفين الموكول إليهم أداء مهام الإستقبال والإرشاد والموكول إليهم أيضا مهام إعداد وثائق دخول ومغادرة المرضى للمستشفى، في صعوبة توجيه المرضى وقضاء مصالحهم الإدارية، حيث أن هذه المصلحة يتواجد بها موظف وحيد يستقبل يوميا المئات من المرضى، ويستغرق مدة إنجاز وثيقة مغادرة المستشفى ازيد من 3 ساعات وإنجاز باقي الإجراءات الإدارية الخاصة بالقيام بفحوصات طبية أو بأداء قيمة الاستشفاء.
ومن الأمثلة الصارخة على أن الاستثمارات التي وجهت للقطاع الصحي بسوس لم تساهم في تطوير المنظومة الصحية، حيث أن مجلس جهة سوس ماسة قد خصص، سنة 2021، اعتمادات مالية مهمة والمقدرة ب 2.5 مليار درهم لتجهيز مستشفيات الجهة وخاصة مستشفى الحسن الثاني، والتي لم تستغل بالشكل الأمثل للتخفيف من معاناة ساكنة المنطقة. مما يطرح عدة أسئلة حول مآل الاعتمادات المالية التي تلقتها الادارة الصحية بسوس في السنوات الأخيرة والتي لم تؤثر أيجابا على الخدمات الصحية.
مستشفى الحسن الثاني بدون خدمات..والقطاع الخاص هو المستفيد
عرف مستشفى الحسن الثاني، في شهر يوليوز الماضي، نقصا حادا في منتجات التخدير، مما تسبب في معاناة كبيرة بالنسبة للمرتفقات والمرتفقين والطاقم الطبي على حد سواء، علما أن المستشفى الحسن الثاني بأكادير يستقبل مرضى من الجهات الجنوبية، وقد استمرت هذه الوضعية لمايزيد عن الشهر ونصف، إذ عجزت الوزارة والمديرية الجهوية للصحة بسوس من اتخاذ إجراءات مستعجلة من أجل تزويد هذا المستشفى بالأدوية بكميات كافية لتقديم العلاجات الضرورية للمرضى.
ورغم أن مديرية الصحة أصدرت بلاغا تكذب ذلك إلا أن واقع الحال يفند طروحات المديرية الجهوية، حيث أن سيدة مسنة ولجت المستشفى بسبب تعرضها إلى كسر، ورغم إرغامها على اقتناء كافة لوازم العملية الجراحية، إلا أنها بقيت بقسم الجراحة لمايقارب شهر كامل بسبب غياب مواد التخدير المطلوبة لإجراء العملية الجراحية. كما أن هذه السيدة لم يتم اسعافها عبر العملية الجراحية إلا يوم 25 يوليوز الماضي، بعد ان توصلت المستشفى بكميات من مادة التخدير يوم 24 من الشهر. ونظرا لحالته الصحية الصعبة تم نقل هذه السيدة من قسم الجراحة مباشرة إلى قسم الإنعاش، حيث لم تتمكن أن تصمد كثيرا ووفاتها المنية يوم الإثنين 28 يوليوز المنصرم.
وفي نفس الفترة التي يعاني فيها المرضى بمستشفى الحسن الثاني من تبعات غياب/ نقص مادة التخدير قام رئيس الحكومة ووزير الصحة بتدشين مصحة النهار بأكادير.
ومن تجليات سوء تدبير المستشفيات ماذهب اليه التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2021، والذي أكد أن عملية مراقبة المخزون الاحتياطي من الأدوية يقتصر على تسجيل المعلومات التي تصرح بها الشركات العاملة في هذا القطاع، كما وقف التقرير على أن وزارة الصحة لا تتوفر على بيانات حول الإنتاج الوطني للأدوية، وأشار إلى أن نظام تقييم الاحتياجات الوطنية من الأدوية الأساسية لا يزال غير مكتمل وغير دقيق.
وهذه الوضعية غير السوية التي يعيشها مستشفى الحسن الثاني، دفع مجموعة من المرضى إلى التوجه إلى المصحات الخاصة، مجبرين، لطلب الاستشفاء مما يثقل كاهلهم بتكاليف إضافية.
كما أن النقص الحاد في الخدمات بهذا المستشفى يساهم في توجيه المرضى الى المصحات الخاصة من طرف العاملين بهذا المستشفى في ضرب صريح لأخلاقيات مهنة التطبيب.
ومن جهة أخرى، إن تزايد المسجل في المصحات الخاصة بأكادير دفع عدد من الأطباء من القطاع العام للاشتغال في هذه المصحات على حساب أداء واجبهم المهني بالمستشفيات العمومية، وكان وزير الصحة الأسبق قد أصدر قرارا يقضي بتوقيف 4 أطباء وطبيبة ينتمون للقطاع العمومي عن مزاولة عملهم، وإحالة ملفاتهم على اللجنة التأديبية بسبب الجمع بين العمل في القطاع العام والخاص، حيث ينتمي هؤلاء الأطباء للقطاع العمومي بكل من أكادير وانزكان.
وتم تعليل هذا التوقيف لكون هؤلاء الاطباء يزاولون مهام المداومة الطبية بمستشفيات عمومية ومصحات خاصة في نفس التوقيت، هذا الامر يخالف القوانين المعمول بها خاصة منع أطباء القطاع العام من مزاولة عملهم خارج المستشفيات العمومية. ورغم صدور قانون يمنع الجمع بين الوظيفة في اقطاع العمومي والاشتغال في القطاع الخاص، فإن مجموعة من المصحات الخاصة بإكادير والمنطقة مازالت تعتمد على اطباء القطاع العام نظرا لقلة الاطر الطبية المتخصصة.
ورغم الغليان الذي يعرف القطاع الصحي بسوس، إلا أن مسؤولي الصحة يرجعون ضعف الخدمات الصحية بأغلبية المراكز الاستشفائية بالجهة إلى هزالة الإمكانيات وضعف ميزانية المخصصة للقطاع الصحي، دون الحديث عن الخصاص المهول في الأطر الصحية وعشوائية توزيعها بتراب الجهة.
هشاشة الخدمات.. بين ضعف البنيات الاستشفائية وقلة الأطر الطبية
يعاني القطاع الصحي بجهة سوس ماسة من صعوبة الولوج للخدمات الصحية وضعف القدرة الشرائية للمواطنين والنقص الحاد في الاطر الطبية وضعف جودة الخدمات.
إن الحديث عن التخطيط الجهوي للصحة يقتضي تسليط الضوء على المؤسسات الاستشفائية بالنفود الترابي للجهة، حيث تتوفر جهة سوس ماسة على 314 مؤسسة صحية عمومية تنقسم الى مستشفى جهوي واحد و6 مستشفيات اقليمية و55 مركز حضري من الدرجتين و148 مركز صحي قروي بالاضافة الى 104 مستوصف قروي.
وتتوزع هذه المؤسسات بكافة اقاليم الجهة حيث نجد بعمالة اكادير اداوتنان مستشفى جهوي و15 مركز صحي حضري و8 مراكز صحية قروية و14 مستوصف قروي. فما تتوفر عمالة انزكان على مستشفى اقليمي واحد و14 مركز صحي حضري من الدرجتين و2 مركز صحي قروي و4 مستوصف قروي.
كما توفر اقليم تارودانت على مستشفى اقليمي واحد و12 مركز صحي حضري و80 مركز صحي قروي و29 مستوصف قروي، وتتوزع المؤسسات الصحية باقليم اشتوكة ايت باها على الشكل التالي: مستشفى اقليمي واحد و4 مراكز صحية حضرية و19 مركز صحي قروي و15 مستوصف قروي. ويضم اقليم تزنيت مستشفيين اقليميين و3 مراكز صحية حضرية و22 مركز صحي قروي و29 مستوصف قروي، ونجد باقليم طاطا مستشفى اقليمي واحد و4 مراكز صحية حضرية و16 مركز صحي قروي و13 مستوصف قروي.
ويحيل تحليل هذه المعطيات الرقمية وتوزيع المؤسسات الاستشفائية على اختلاف انواعها الى نسبة تتمثل في 9676 نسمة لكل نوع من هذه المؤسسات بجهة سوس ماسة، وتحيل ايضا الى ان ساكنة عمالة انزكان ايت ملول بنسبة 31722 نسمة لكل مؤسسة الخدمات الصحية من الدرجة الاولى، وعمالة اكادير اداوتنان بنسبة 18675 نسمة لكل مؤسسة واشتوكة ايت باها بنسبة 11465 لكل مؤؤسة الخدمات الصحية وسجلت تارودانت وتزنيت وطاطا على التوالي نسبة 7336 نسمة و3755 نسمة و3230 نسمة لكل مؤسسة الخدمات الصحية.
وبالمقابل، تظهر احصائيات أن عدد المستشفيات المتواجدة في علاقتها بنسبة سكان الجهة أن سرير واحد داخل هذه المؤسسات الاستشفائية لكل 1895 مواطن يحتل ان هذه النسبة تضع جهة سوس ماسة في الرتبة 11 وطنيا مقاونة باقي الجهة ال 12.
كما تبين هذه النسبة أن سرير واحد مخصص ل 7261 نسبة باقليم اشتوكة وايت بها و2863 نسمة لكل سرير باقليم تارودانت فيما 2047 نسمة و2005 نسمة و1270 نسمة و722 نسمة على باقاليم تارودانت وانزكان ايت ملول وطاطا واكادير اداوتنان وتزنيت على التوالي لكل سرير، وتظهر هذه الاحصائيات إقليم اشتوكة أقل تغطية بالاسر الاستشفائية. كما الإحصائيات الرسمية تظهر النقص الحاد في شبكة الرعاية الطبية الطارئة، حيث أن عدد الأسر بأقسام المستعجلات لا يتعدى 54 سريرا بالجهة و24 سريرا لأقسام الإنعاش.
من جهة أخرى، تتوفر جهة سوس ماسة على 1261 طبيبا وطبيبة، منهم 520 طبيب بالقطاع العام و741 طبيب بالقطاع الخاص. تتوزع على اقاليم الجهة منها 589 طبيب باكادير اداوتنان و224 انزكان ايت ملول و203 طبيب بتارودانت و103 طبيب باشتوكة ايت باها و97 طبيب بتزنيت و45 طبيب بطاطا، وتظهر نفس الاحصائيات أن 4372 مواطن للطبيب الواحد بتارودانت و4230 مواطن للطبيب الواحد باقليم اشتوكة ايت باها و2584 نسمة و2382 نسمة و2129 نسمة و1173 نسمة للطبيب الواحد بكل من اقليم طاطا وانزكان ايت ملول واكادير اداوتنان على التوالي.
ومن خلاصات الإشكاليات التي يعرفها الوضع الصحي بسوس، تزايد وفيات الرضع والأمهات أثناء الولادة، حيث سجل مستشفى الحسن الثاني نسب مقلقة في عدد الوفيات في الأسبوعين الأخيرين. دون ان تتحرك الوزارة لتنوير الرأي العام حول هذه الوقائع.وكانت جهة سوس ماسة قد سجلت، في السنوات الماضية، نسبة تصل إلى 107 وفاة من 100000 ولادة وهذا الرقم بعيد جدا على النسب الوطنية المحددة في 52.2.
وخلاصة القول، يحتاج تطوير القطاع الصحي إلى نخبة جهوية قادرة على الترافع على هذا الملف، والابتعاد على خطابات “المجاملة” التي تطبع لقاء المسؤولين محليا وجهويا مع وزارة الصحة وممثليها بسوس.