ثمة هنيهاتٌ من الزمن تخلعُ عن كاهلها رداء العبور، لتتجوهر في ذاكرة الوجدان كأيقوناتٍ أبدية لا يمحوها النسيان؛ تماماً كما يرفضُ بحرُ “سيدي إفني” الانفصال عن شطآنها، وكما تتشابكُ الأرواحُ في عناقٍ سرمدي حين تطأُ أقدامُ الأحبة ثرى الأجداد المقدس.
من شرفةٍ تشرئبُّ بزهوٍ نحو ساحة “البراندية” العتيقة، حيث يتنفسُ التاريخ من مسام الجدران ويحكي الصمتُ أمجاد الغابرين، استضفنا في حضرة الوفاء رفاقاً نبلَاء، حطّوا رحالهم من “صفاقس” التونسية—حاضرة الزيتون الصامد والوشمِ النضالي—لتتعانق أصالةُ المشرق مع عراقة المغرب، وتُكتبَ في جنوبنا الساحر أبجديةٌ جديدة للجمال.
انصهارُ الضوء: سيمفونيةُ الغسق
لم يكن رحيلُ الشمس في ذلك المساء حدثاً فلكياً عابراً، بل كان طقساً صوفياً تتماوجُ فيه الألوانُ كأنها ريشةُ فنانٍ مسكونٍ بالوجد. وقفت الشمسُ على حافة الأفقِ، كملكةٍ تودعُ عرشها بقبلةٍ عسجديةٍ طبعتها على جبين “سيدي إفني”، تاركةً خلفها فيداً من الأطياف المخملية التي راوحت بين البرتقالي المتوقد والأرجواني السديمي. وفي قلب هذا التجلي، انتصبت شجرةُ “الأروكاريا” كشاهدٍ تاريخي باذخ، ترسمُ قوامها الممشوق ظلاً يتهادى فوق لجين الماء المتلألئ، كأنها حارسُ الوقتِ الذي لا يغفل.
وشائجُ الندى: جسرٌ بين بحرين
إن سحرَ المشهد لم يكتملْ إلا بحميميةِ اللقاء؛ فبينما كانت خيوطُ الضوءِ الغاربة تلملمُ أذيالها في صمت، كانت همساتُ الأصدقاء القادمين من “تونس الخضراء” تسرجُ قناديلَ الدفء في المكان، لتُعلن أن الجغرافيا مجردُ وهمٍ حين تنطقُ القلوب بلغةٍ واحدة. هنا، فوق أديمِ الأجداد، امتزج زفيرُ المحيط الأطلسي بعبير الودِ القادم من ضفاف المتوسط، في لحظةِ صفاءٍ نادرة تكرّسُ الأخوة كجذورٍ ضاربةٍ في عمقِ الكيان.
ملاذُ الأرواح.. وترنيمةُ الخلود
سيدي إفني، تلك المدينةُ التي تارةً تتلفعُ بضبابٍ صوفي وتارةً تشرقُ بوهجٍ شاعري، لم تكن يوماً مجردَ إحداثياتٍ على خارطة، بل هي ملاذٌ لكل روحٍ تنشدُ الطمأنينة بين أحضان الجمال. إن الوقوف في وجه هذا المدى اللازوردي، وبصحبةِ أرواحٍ يفيضُ منها النبل، يعيدُ صياغة إدراكنا للزمن؛ فالأرض التي ورثنا عشقها عن الأسلاف تظلُّ الوفيةَ دوماً، تمنحُ زائريها ترياقاً من سحرها الذي لا يُنسى.
هي دعوةٌ للارتقاء بالتأمل، وترنيمةُ حبٍّ خُطّت بمدادِ الشفق، تهمسُ في أذن الوجود: إن الجمالَ الحقيقي ليس ما تراه العيونُ فحسب، بل هو ذلك النورُ الذي نتقاسمه مع الأحبة، في وطنٍ يسكنُ فينا نبضاً قبل أن نسكنه أرضاً.
بقلم :
عبد الكريم غيلان / كاتب رأي
