آراء

فجاج يكتب: مسجل خطر في أرشيف السامري الثقافي… هذا المسرحي يفكر

لا شيء يضاهي في غرابته صباح اليوم الذي أعلن فيه رئيس قسم المسرح الجديد عن مشروعه الثقافي. فبعد ان استقر في مكتبه الوثير، وعلق خلفه لوحة كتب عليها الرؤية اولا، جلس برباطة جأش تشبه تلك التي يظهر بها المهرج في منتصف العرض حين يفقد نصه، ثم أعلن بشموخ: سوف نحدث ثورة مسرحية، لكن بهدوء اداري وعلى مراحل بلا ضوضاء ولا نصوص.

مشروعه الثقافي، الذي طبع في خمس نسخ لان الطابعة كانت تئن، جاء بعنوان صادم في تفاهته: من الممارسة الى المسطرة نحو مسرح مؤرشف وآمن وهو عنوان لو قرأه برشت لانتحر مجازا.

في قلب المشروع، تبرز فلسفة السامرية الثقافية التي تتلخص في قاعدة ذهبية واحدة “لا تقترب من المسرح كثيرا كي لا تتسخ بشغف اهله”.

فالرؤية تقوم على تعقيم كل ما هو حي، وتحويل الركح الى ملف، والممثل الى رقم، والنص الى خانة في جدول اكسيل.

في المرحلة الاولى، يقترح ما يلي:

• تحويل الخشبة الى فضاء صامت يراعى فيه التباعد الدرامي.

• تعويض الانارة المسرحية بإضاءة المكاتب لتقليل التوتر الفني.

• ادماج كلمة مسرح في خطابات المناسبات دون اي التزام ميداني.

اما المرحلة الثانية، فهي الاكثر طموحا وعبثا:

• تعميم نظام البطاقات الذكية للممثلين، حيث لا يسمح لهم بالصعود الى الركح الا بعد تسجيل بصمتهم داخل مقر المديرية.

• فتح خط ساخن لتبليغ الانحرافات الابداعية، مثل التجريب الزائد او الكوميديا غير المرخصة.

• وضع خطة لتسويق المسرح المغربي في الخارج من خلال ارسال عروض باوربوينت مترجمة الى الانجليزية بعنوان: This is our stage. Respect it

لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في طبيعة المشروع العبثي، بل في ملحقه رقم خمسة، تحت عنوان دقيق: تدابير اضافية لضمان الاستقرار المؤسساتي للمسرح الرسمي.

وفيه بند صريح يقول: اقتراح تكوين لجنة مفتوحة غير محددة في الزمن ولا في التوصيف، هدفها تتبع وتتفيه وتحجيم اي اسم يشوش على سير المشروع الاداري النموذجي، وخاصة ذوي الحس النقدي المفرط، مثل المدعو عماد فجاج.

نعم، لجنة حقيقية او وهمية لا فرق، اجتمعت برئاسة كائن مجهول الهوية، قيل انه لا يظهر في الصور ولا يوقع باسمه.

مهمتها واضحة:

• حذف اسم عماد من لوائح المهرجانات.

• اسقاطه من الذاكرة البرمجية للمؤسسات.

• واستبدال كل ظهور له في محاضر الاجتماعات بجملة: لم يحضر ولم تتم دعوته أصلا

وقد طلب من اعضاء اللجنة، في حال تم سؤالهم عن عماد، ان يردوا بابتسامة هادئة

آه، ذاك الشخص الذي كان يعمل في المسرح؟ اعتقد انه سافر… او غير التخصص… او احترف الصمت.

وهكذا، لا فقط نسكت الخشبة، بل نحذف من تكلم باسمها، ونكتب تاريخ الركح بممحاة بيروقراطية لا تترك اثرا ولا تتعب نفسها بالسؤال: لماذا يهاجر المسرحي؟ ولماذا يخفت صوت الكفاءة؟

أما المقترح اخير، فهو جريء في سذاجته: انشاء بنك بيانات للكفاءات غير المزعجة وتصنيفها حسب درجة الصمت لتسهيل ادماجها في المشاريع المستقبلية.

هل نحن في وزارة ثقافة؟

ام في عرض مسرحي بعنوان:

كيف تقتل مسرحا دون ان تطلق رصاصة؟

الجواب، كما تعودنا في زمن السامري الثقافي:

الصمت أفضل، فالتصفيق أصبح يمنح لمن لا يزعج الملفات.

بقلم: عماد فجاج

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *