نعي….
رحل محمد بودهان… رحل عنا جسدًا، لكن روحه ما زالت حية، تتنفس بيننا، في الذكريات، في الصمت، في كل زاوية عرفنا فيها حضوره.
لا أستطيع أن أكتب عنه بلا دموع خفية، فكل كلمة تتشكل في قلبي وكأنها تحاول أن تعانق غيابه، أن تثبّت أثره قبل أن يختفي تمامًا من حياتنا.
كان محمد ضحكةً صافية، وابتسامةً لا تفارق محياه، ونكتةً تكسر صرامة اليوم، رغم كل صعاب الحياة. وكان يحمل في فكره حلمًا، مشروعًا، رغبةً صادقة في أن يرى وطنه يزدهر بهويته، بثقافته، بتراب أرضه، وكان وحده، في أحيان كثيرة، يحارب العزلة والبرد النفسي بصموده ودفء صوته.
لقد ترك في حياتي أثرًا لا يُمحى. فتح لي أبواب جريدته المناضلة، ومنحني شهادة عمل ساعدتني على إعداد ملف التكويغال الخاص بمنظمة “بريس ناو”. وكم كانت دهشته عظيمة حين التقى بنا – أنا والمناضل الأمازيغي حينها – حسن بلا رئيس جمعية “أفراك ماست” في أكادير، وتعجب من عمرنا الصغير، وقال لنا بالحرف: هل أنتم من كان يكتب لي ويرسل لي تلك المقالات؟” وعندما أجبناه بالإيجاب، نظر إلينا باندهاش وقال: أنتم تشبهون حبيبات البارود.
كم كان هذا الوصف دقيقًا… كم كان يعكس ثقته فينا، إيمانه بالشباب، قدرته على زرع الأمل في كل قلب يقابله. لقد منحنا الفرصة لنكون جزءًا من مشروعه الفكري والثقافي، وأصبحنا نحمل بعضًا من شغفه، بعضًا من حماسه، بعضًا من روح المقاومة التي كانت تسكنه.
وفي جنازته، شاهدت صوروجوهًا كثيرة… بعضها يحمل ذكريات طويلة معه، وبعضها بدا وكأنه نسي الطريق إليه حتى في أيامه الأخيرة. شعرت حينها أن الوحدة لم تكن قدره وحده، بل قدرنا نحن أيضًا، الذين لم نستطع أن نكون بجانبه حين كان الأكثر حاجة لنا.
رحل بودهان، ورحل معه شيء من دفء اللقاء، شيء من براءة الأخوّة، شيء من الإحساس بأننا لسنا وحيدين في صراعنا. لقد فقدناه، ولكن يجب أن نبقى نحن، نحن الذين نعيش، على عهد الوفاء له، وعلى عهد ألا نترك أحدًا آخر يواجه وحدته وصمته دون أن نمد له يدنا قبل أن يفوت الأوان.
نم هادئًا يا بودهان… فذكراك لن تموت فينا، ولن يذهب عطاؤك وفكرك الذي حملت، وسيظل كل لقاء، وكل كلمة، وكل ابتسامة حاولت أن تهبها للآخرين شهادة على حضورك العميق في حياتنا، وعلى الأثر الكبير الذي تركته في قلوبنا، وفي مساراتنا، وفي كل الأبواب التي فتحت لنا لنواصل الطريق… كحبيبات بارودٍ تحمل الأمل والتغيير، وتزرع فينا الرغبة في الحياة، قبل أن يلتهمنا الصمت والوحدة واليأس.
الحسين بوالزيت: صحافي وفاعل أمازيغي
نعي..محمد بودهان الذي رحل عنا جسدا
مقالات ذات صلة
20 يونيو 2026
باحثون وأكاديميون يناقشون مسارات التفاعل العلمي والثقافي بين المغرب وإفريقيا
تستعد مدينة إنزكان لاحتضان ندوة علمية وطنية حول موضوع المغرب وإفريقيا، قضايا التاريخ والتراث. قراءة في المصادر ومسارات التفاعل العلمي [...]
20 يونيو 2026
قافلة “خيمة تامديازت” للشعر تحط الرحال بتيزنيت وتكرّم روح الشاعرة نزهة أباكريم
تستعد مدينة تيزنيت لاحتضان فعاليات النسخة الثانية من قافلة “خيمة تامديازت” للشعر، المنظمة من طرف رابطة سفراء أمرير للثقافة والإبداع، [...]
20 يونيو 2026
الصيباري يمنح المغرب انتصاراً مهماً على أسكتلندا في كأس العالم 2026
فاز المنتخب المغربي لكرة القدم على نظيره الأسكتلندي بنتيجة هدف دون در، في المباراة التي جمعت بينهما ليلة الجمعة إلى [...]
20 يونيو 2026
مونديال 2026 .. ولاية أمن أكادير تسخر إمكانيات بشرية ولوجيستية لتأمين فضاءات المشجعين
اتخذت مصالح ولاية أمن أكادير جملة من التدابير والإجراءات الأمنية الاستباقية لتأمين مناطق المشجعين التي تم إحداثها بمدينة أكادير، وذلك [...]