بيئة ومناخ

عين تحبوست… جنة منسية على بعد 21 كيلومتراً من أكادير

في الوقت الذي تتسابق فيه الجهات السياحية عبر العالم للترويج لكل شبر من طبيعتها، ما تزال عين تحبوست، الواقعة بجماعة أمسكرود بجهة سوس ماسة، ترزح تحت وطأة النسيان والإهمال، رغم كونها واحدة من أجمل العيون الطبيعية القريبة من مدينة أكادير، ولا تبعد عنها سوى 21 كيلومتراً فقط.

عين تحبوست ليست مجرد نقطة ماء، بل لوحة طبيعية متكاملة، حيث يلتقي خرير المياه بهدوء المكان، وتغني الطيور فوق أشجار الأركان، و النخيل، والزيتون، فيما تتناثر الصخور الحمراء مشكلة مشهداً يأسر العين ويمنح الزائر شعوراً نادراً بالسكينة والصفاء. ورغم ذلك، فإن هذا الموقع الساحر غائب تماماً عن برامج الترويج السياحي، ومُقصى من أجندة المسؤولين والمكلفين بتدبير الشأن السياحي بالجهة.

طبيعة عذراء… بلا حارس

ما يميز عين تحبوست هو طابعها العذري البكر، حيث لم تفسدها بعدُ المشاريع الإسمنتية العشوائية، ولم تطلها يد الاستثمار الجائر. لكنها، في المقابل، تُركت دون حماية، ودون رؤية تنموية واضحة، ودون أدنى بنية تحتية سياحية تليق بقيمتها البيئية والطبيعية.

فالطريق المؤدية إلى العين تفتقر إلى التشوير الطرقي، ولا توجد لوحات تعريفية تُعرّف بالمكان ” العين ” أو تاريخه، ولا مرافق أساسية للزوار، ولا مسارات مهيأة لعشاق السياحة الجبلية والبيئية، وكأن هذا الموقع محكوم عليه أن يبقى سراً لا يُكشف.

أمسكرود… تاريخ عريق يُختزل في الحوادث

المفارقة الصادمة أن عين تحبوست توجد داخل مجال ترابي غني تاريخياً، هو أمسكرود، المنطقة التي اتخذها المولى إسماعيل موقعاً استراتيجياً لمراقبة القوافل التجارية القادمة من وإلى الصحراء المغربية و دول جنوب الصحراء ، وبنى بها قصبة وأصدر منها أحكامه، فعرفت في عهده ازدهاراً تجارياً ونشاطاً ملحوظاً.

كما تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن الشيخ السعدي كان يطمح إلى تشييد مدينة كبرى بأمسكرود، على غرار تيزنيت وتارودانت، ضمن مشروع “المثلث النافع لسوس”، غير أن اغتياله آنذاك أجهض هذا الحلم.

ورغم هذا الإرث التاريخي، ارتبط اسم أمسكرود في الذاكرة الجماعية مؤخرا، للأسف، بـ منحدر الموت على الطريق السيار أكادير، مراكش، وبحوادث السير المميتة، والحرائق المهولة، وحتى فاجعة سقوط طائرة مدنية في ثمانينيات القرن الماضي، وهكذا طغى الخبر الأسود على ما تزخر به المنطقة من مؤهلات طبيعية وسياحية وإنسانية.

سياحة بديلة ضائعة

عين تحبوست تمثل فرصة حقيقية لتطوير السياحة الإيكولوجية والقروية، وهي السياحة التي يبحث عنها اليوم الزوار المغاربة والأجانب، الراغبون في الهروب من ضجيج المدن واكتشاف أماكن هادئة، أصيلة، تحترم الإنسان والطبيعة.

فهذه المنطقة تتوفر على منتوجات محلية عالية الجودة، من زيت الأركان إلى العسل الحر والأعشاب الطبية، بفضل نشاط التعاونيات والجمعيات المحلية، ما يفتح الباب أمام سياحة مندمجة تُسهم في تحسين دخل الساكنة القروية، بدل الاكتفاء بدور أمسكروض محطة عبور للسائقين.

لكن، في غياب التسويق الرقمي الفعال، وغياب رؤية واضحة لدى الجهات المعنية، تبقى عين تحبوست خارج الخريطة السياحية، وكأن جمالها لا يستحق الالتفات…فمن المسؤول عن هذا الإقصاء؟

فيما السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، هو .. كيف يُعقل أن موقعاً طبيعياً بهذه الجاذبية، وعلى مسافة قصيرة جداً من قطب سياحي عالمي كمدينة أكادير، يظل مهملاً، بلا حماية، بلا ترويج، وبلا إدماج في البرامج الجهوية؟ ، فأين المجالس المنتخبة؟ . وأين المندوبية الجهوية للسياحة، وأين برامج التنمية القروية؟ وأين الحديث المتكرر عن العدالة المجالية؟

إن استمرار تجاهل عين تحبوست ليس فقط هدراً لفرصة سياحية واعدة، بل إجحاف في حق الساكنة المحلية، وتفريط في ثروة طبيعية قد لا تتكرر.

صرخة من أجل إنقاذ عين تحبوست

عين تحبوست لا تطلب المستحيل، بل فقط إدماجها في الخريطة السياحية الجهوية، تهيئة بسيطة تحترم البيئة، حماية قانونية من التخريب، تسويق رقمي يعرّف بها، إشراك الساكنة في تدبيرها. فإما أن نختار طريق التثمين الواعي، أو نستمر في سياسة النسيان حتى نفقد ما تبقى من جمالنا الطبيعي، عين تحبوست اليوم تصرخ بصمت…فهل من مجيب؟.

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *